Skip links

التعليق على قرار رقم 507 لسنة 2025 م بشأن إصدار لائحة تنظيم عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص

في إطار سعي الدولة إلى تطوير البنية التحتية وتحسين مستوى الخدمات العامة، وبهدف استقطاب خبرات القطاع الخاص وتوظيفها في مشاريع استراتيجية تسهم في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، جاء قرار مجلس الوزراء رقم (507) لسنة 2025م ليضع الإطار التشريعي والتنظيمي لعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ويؤسس لقواعد واضحة وشفافة تكفل تحقيق التوازن بين المصلحة العامة ومصالح المستثمرين، من خلال عدة أسس ومعايير تفصيلية ترسي قواعد الشفافية والحوكمة في إجراءات التعاقد بما يسهم في تعزيز كفاءة تقديم الخدمات العامة وتطوير البنية التحتية بما يتوافق مع السياسات الاقتصادية والتنموية للدولة.

عند النطر للوضع القانوني والاقتصادي في ليبيا، يتضح أن هذا القرار سيترك أثرًا فارقًا على مختلف الأصعدة، إذ يأتي في ظرف استثنائي يتسم بضعف المؤسسات الحكومية، وتفاوت تطبيق التشريعات، وغياب اليقين القانوني في بعض القطاعات الحيوية، ما يجعل أي إطار تنظيمي جديد ذا قيمة كبيرة إذا تم تنفيذه بشكل صحيح. من الناحية القانونية، يوفر القرار وضوحًا غير مسبوق في تحديد الحقوق والالتزامات لكل الأطراف المعنية، بما يعزز مبدأ سيادة القانون، ويحد من حالات النزاع المتعلقة بالعقود والمشاريع، كما يرسخ مبادئ الشفافية والمساءلة، ويشكل مرجعًا يمكن للجهات القضائية والإدارية الاستناد إليه في الفصل في المنازعات المستقبلية. أما على المستوى الاقتصادي، فإن القرار يساهم في خلق بيئة محفزة للاستثمار المحلي والأجنبي على حد سواء، من خلال ضمان استقرار الالتزامات المالية والتنظيمية، وتحفيز نقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة، وفتح آفاق جديدة لخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز تطوير البنية التحتية. كذلك فإن التطبيق الفعال لهذا القرار يسهم في استدامة المشروعات وضمان الالتزام بالمواصفات والمعايير، ويحد من المخاطر المتعلقة بالفساد أو سوء الإدارة، مما يعكس أثره الإيجابي على الاقتصاد الوطني بشكل عام. أخيرًا، يعكس القرار قدرة الدولة على تفعيل دورها التنظيمي في مرحلة تعاني من تحديات سياسية وأمنية، ويضع أسسًا متينة لبناء ثقة مستدامة بين القطاعين العام والخاص، شرط الالتزام الصارم بالتطبيق والمتابعة الدقيقة لضمان تحقيق الأثر القانوني والاقتصادي المرجو

غير أن قراءة متأنية للنص تكشف عن نقاط قوة معتبرة، يقابلها تحديات وإشكاليات تحتاج إلى تدقيق وتطوير حتى تتحقق الغاية المرجوة منها.

أولًا: في نطاق السريان وتحديد المشاريع: 

تنص المادة (2) على أن نطاق سريان اللائحة ينحصر في المشاريع غير الممولة من الخزانة العامة، وهو ما ينسجم مع فلسفة الشراكة القائمة على تخفيف الأعباء عن المالية العامة. لكن بالمقابل استثنت المادة العقود المنظمة بتشريعات خاصة أو تلك التي تحددها اللجنة العليا. هذا الاستثناء الواسع قد يؤدي إلى تحييد بعض المشاريع الكبرى عن آلية الشفافية والمنافسة المنصوص عليها، ويفتح بابًا للاجتهاد الإداري غير المنضبط، مما يستلزم ضبط هذه الاستثناءات على نحو أكثر تحديدًا لئلا تطغى عليها المعايير الشخصية دون تشييد منظومة رقابة نزيهة عليها.

ثانيًا: البنية المؤسسية للهيئة العامة للشراكة:

يتجلى من المادة 5 أنّ اللائحة قد شيدت هيئة عامة ذات اختصاصات واسعة تشمل رسم السياسات والموافقة على العقود واعتماد الدراسات. هذا الإطار يمنح الهيئة سلطة مركزية قوية، لكنه يثير إشكاليتين:

  1. التضخم البيروقراطي: حيث أنّ تعدد المستويات قد يؤدي إلى بطء الإجراءات وإطالة آجال الترسية، خاصةً تحت ظل ساحةٍ تقتضي بطبيعتها سرعة ومرونة التعامل.
  2. تعارض الاختصاصات: تركيز صلاحيات واسعة بيد المدير العام يجعله أشبه بسلطة منفردة في مواجهة الجهات المالكة، مما يسفر عن تضاربٍ بين مبدأ الاستقلالية الإدارية للجهات ومركزية القرار بالهيئة.
  3.  

ثالثًا: أساليب الشراكة وتوزيع المخاطر:

حددت المادة 14 تسعة أساليب للشراكة، منها البناء والتشغيل والنقل، والامتياز، والإدارة. هذه التعددية إيجابية لأنها تمنح مرونة في التعاقد بحسب طبيعة المشروع. غير أن اللائحة لم تحدد بشكل دقيق آلية توزيع المخاطر بين الطرفين، وهو جوهر عقود الشراكة. فغياب نصوص تفصيلية حول مخاطر التشييد والتمويل والتشغيل يجعل الأمر خاضعًا لشروط العقد، مما قد يُفضي إلى عدم توازن تعاقدي يضر بالقطاع العام أو الخاص وفق الظروف.

رابعًا: الضمانات المتعلقة بالشفافية والمنافسة:

كرّست اللائحة مبدأ العلانية والشفافية وفق المادة 20 وأوجبت الإعلان عبر وسائل الإعلام والمنصة الإلكترونية بالمادة 30. هذه خطوة ممتازة لتقليص احتمالات المحاباة. غير أن منح ميزة إضافية بنسبة 10٪ للقطاع الخاص الذي يقترح المشروع الذي جاءت به المادة 15 قد يُعتبر إخلالًا بمبدأ تكافؤ الفرص؛ إذ يخلق تمييزًا مسبقًا يضعف المنافسة الحرة خاصةً مع مظاهر الاحتكار الذي تشهده الساحة الليبية في الآونة الأخيرة.

خامسًا: دور الجهة المالكة ولجنة المشروع:

منحت اللائحة للجهة المالكة مسؤوليات إعداد الدراسات، اقتراح العقود، ومتابعة التنفيذ (م 17). كما نصت على تشكيل لجنة مشروع تضم خبرات متعددة (م 18). هذه النصوص تُظهر محاولة لتحقيق التوازن بين السلطة المركزية للهيئة واستقلالية الجهة المالكة. غير أن تضارب الاختصاصات بين لجنة المشروع والهيئة قد يؤدي عمليًا إلى ازدواجية رقابية تعرقل سرعة التنفيذ وتضع علامات الاستفهام حول مدى شفافيته ونزاهته؛ فكان من الأجدر تحديد نطاق تدخل كل طرف بشكل أوضح لتجنب التنازع المؤسسي والتثنية الرقابية.

سادسًا: البعد البيئي والاجتماعي :

أشارت المادة 4 إلى ضرورة مراعاة المخاطر البيئية وضمان جودة الخدمات. هذا النص يعكس وعيًا بأبعاد التنمية المستدامة، لكن غياب نصوص تفصيلية تُلزم الشريك الخاص بتقارير تقييم الأثر البيئي والاجتماعي يضعف من ضمانات التطبيق العملي، خصوصًا في ظل هشاشة أجهزة الرقابة البيئية في ليبيا.

سابعًا: الآليات الرقابية والجزاءات :

رغم تحديد صلاحيات واسعة للهيئة في الاعتماد والفسخ (م 6/8)، إلا أن اللائحة لم تتضمن إطارًا واضحًا للجزاءات المترتبة على إخلال الشريك بالتزاماته، واكتفت بالإحالة العامة للتشريعات النافذة. وهذا قصور، لأن خصوصية عقود الشراكة تقتضي وجود نظام جزاءات محدد (غرامات تأخيرية، مصادرة ضمانات، إنهاء مبكر) لضمان استمرارية الخدمة العامة.

التوصيات: 

قيامًا على ما سلف، يتضح أن لائحة تنظيم عقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص تمثل خطوة تشريعية مهمة نحو استحداث آلية قانونية حديثة لتطوير البنية التحتية وتعزيز التنمية. إلا أنها في صورتها الحالية تثير جملة من الملاحظات:

  1. الحاجة لتقنين أوضح لتوزيع المخاطر.
  2. مراجعة الاستثناءات الواردة على نطاق سريانها.
  3. تقليص التضخم البيروقراطي بين الهيئة واللجان.
  4. إعادة النظر في ميزة الـ (10%) حفاظًا على مبدأ المنافسة.
  5. إدراج آليات جزائية خاصة لعقود الشراكة.
  6. تعزيز الالتزامات البيئية والاجتماعية بنصوص إلزامية واضحة.

إن تفعيل هذه التوصيات يضمن أن تتحول عقود الشراكة من مجرد نص تنظيمي إلى أداة عملية لتحقيق التنمية المستدامة والحوكمة الرشيدة في ليبيا.

Leave a comment