طعن حديث عن المحكمة العليا الليبية،
رقم 570/70
جلسة 29/06/2025م
المبدأ : مسؤولية الدولة عن التعويض عن الأضرار الناشئة عن الاشتباكات المسلحة لا تتأتى إلا من خلال إثبات ارتكابها هي أو تابعيها عملاً يشكل خطأً موجبًا للتعويض عنه.
جاء هذا المبدأ إثر دعوى رفعها مواطنٌ ليبيٌّ بسيط ضد ممثلي الدولة الليبية الذين تنوب عنهم إدارة القضايا للتعويض عن تردّي مسكنه وممتلكاته التي استوت بالأرض إثر الحرب التي دقت ناقوسها في منطقته، بمشاركة عدد من التشكيلات المسلحة آنذاك، فصار شريد المأوى بين ليلةٍ وضحاها بعد أن عاشر معززًا مكرمًا من حر ماله، ولمّا كان ذو ثقةٍ بأنّ مواطنته للدولة الليبية ستسفر عن تعويض عادل جراء ظروفٍ لا يد له فيها؛ جاءه الردّ بهذا المبدأ ليزعزع ميزان العدالة في حقه!.
وحيث أن المبدأ صحيح من الزاوية القانونية المحضة، إلا أنه لا تخفى خافية أنه ضيّق السعة ومجحف التطبيق، خاصةً أمام ما يشهده الوضع الليبي الراهن، ولكون المبادئ القانونية تأخذ بعين الاعتبار الحالة بنواحيها الواسعة، لتحققّ أسمى ما شُيّدت له، وهو رد المظالم وإيفاء المحقوق حقه.
ولمّا كان ذلك؛ وبالأخذ بعين الاعتبار أن التشكيلات المسلحة أساسًا لا تستند على معيار واضح في تبعيتها، بل الكثير منها تم إضفاء الشرعية عليها رسميًاعبر الدمج في وزارات، أو ارتباطها بقيادات سياسية، أو تلقيها تمويلًا وسلاحًا من الخزانة العامة؛ فإن هذا لا محالة ثبوتٌ سافرٌلصلةِِ غير مباشرة – وأحيانًا مباشرة – بين هذه التشكيلات والدولة.
والحرمان من من التعويض تحت ظلال المبدأ بحجة أن الخطأ لم يثبت على “الدولة ككيان” وإنما على “أفراد” تابعين لها لا يقوم على معايير ثابتة لرسم تقاسيم هذه التبعية، ولكون الصلة ضبابية ترتبط بالشرعية تارةً عند استغلالها ويُتبرأ منها نقيضًا عندما يسفر هذا الاستغلال عن مضاره فإن المواطن غير ملزوم بتحمل هشاشة هذه الصلات، ولا تناقضاتها المحضة، خاصةً أنه يفترض به أن يعيش هانئًا في كنف دولةٍ تحتويه وقانون يحميه.
وكان الأجدر إعلان حالة الطوارئ آنذاك، وبما أن الدولة الليبية غاب عليها ذلك فالمواطن لا يتحمل مسؤوليتها عن تقصيرها، وكان من المفترض أيضا الاستناد إلى مبدأ أكثر شفافية مع الواقع الليبي؛ فبما أن الدولة تحتكر القوة وتمنح الشرعية لحاملي السلاح، فهي تتحمل نتيجة استخدام هذه القوة على ضوء مبدأ تحمل المخاطر، وبالتالي يقوم عليها التعويض.
مع التنويه أنّ القانون الدولي لحقوق الإنسان يلزم الدول بتوفير وسائل فعّالة للتعويض عن انتهاكات حقوق المدنيين حتى لو كان المنتهك تشكيلات مسلحة شبه رسمية، ولا يخفى أن ليبيا طرف في جلِّ اتفاقياته.
وبذلك يكون هذا المبدأ إجحافًا في حق من شرعّت لحمايته المبادئ، وزعزعةً لهيبة الدولة والثقة بقضائها في عين المواطن.
By Hanadi Reda

